السيد محمد الصدر
30
منة المنان في الدفاع عن القرآن
أمّا الخطوة التي يريدها المستشكل فهي أنَّ ( أذنت ) نتيجةٌ لكونها أذنت ، لكنّها نتيجة الطاعة . وهذا لا يتعيّن ، بل نقول : إنَّها متأخّرةٌ رتبةً وزماناً ، لكنّها ليست متأخّرةً . نعم ، باعتبار الطاعة قد تكون متأخّرةً لأمرٍ آخر . فإن قلت : ( أذنت ) إن كانت بمعنى الطاعة لم تكن دالّةً على وجود العقل والإدراك عند السماء ؛ لأنَّها طاعةٌ تكوينيّةٌ ، فكلّ الخلق يطيع الله تعالى طاعةً تكوينيّةً ، لا بالإدراك والعقل والفهم ، بما فيها السماء والأرض ونحو ذلك . وأمّا إذا كانت بمعنى ( أمرت ) فتدلّ على الإدراك طبعاً ؛ لأنَّ الأمر لا يصدر إلّا عن عاقلٍ ، وحيث إنَّ الظاهر أنَّها غير مدركةٍ ، فالمفهوم عرفاً أنَّها غير مدركةٍ ، إذن يتعيّن معنى الطاعة ، أي : إنَّها أُمِرت لا أنَّها أمَرت . قلت : هذا يمكن الجواب عنه بوجهين : الأوّل : أنَّ هذا النحو من التفكير فرع الفهم المادّي للسماء ، بخلاف ما إذا فهمنا منها السماء المجرّدة عن المادّة ، كما أفاده الفلاسفة من : أنَّ كلّ مجرّدٍ فهو عاقلٌ ومدركٌ « 1 » . الثاني : إنَّ ظاهر القرآن هو الإدراك والتعقّل ، أي : نسبة الإدراك والتعقّل إلى السماوات والأرض ، وأوضح ما دلّ على ذلك قوله تعالى : قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ « 2 » وقوله تعالى : فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا « 3 » . هذا والظاهر العرفي من
--> ( 1 ) راجع الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 447 : 3 - 448 ، المرحلة العاشرة ، الطرف الثاني ، الفصل 1 . ( 2 ) سورة فصّلت ، الآية : 11 . ( 3 ) سورة الأحزاب ، الآية : 72 .